الخطيب البغدادي

51

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

ولقيه قريش فقبل الأرض بين يديه دفعات ، وخرج الخليفة معه من الدار راكبًا وبين يديه راية سوداء ، وعلى الخليفة قباء أسود وسيف ومنطقة ، وعلى رأسه عمامة تحتها قلنسوة والأتراك في أعراضه ، وبين يديه ، وضرب قريش للخليفة خيمة إزاء بيته بالجانب الشرقي ، فدخلها الخليفة وأحدق بِها خدمه ، وماشى البساسيري وزير الخليفة أبا القاسم بن المسلمة ، ويد البساسيري قابضة على كم الوزير . وقبض على قاضي القضاة أَبِي عبد اللَّه الدامغاني وجماعة معه ، وحملوا إلى الحريم الطاهري ، وقيد الوزير ، وقاضي القضاة . فلما كان يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة وخطب في سائر الجوامع لصاحب مصر ، وفي هذا اليوم انقطعت دعوة الخليفة من بغداد ، ولما كان يوم الأربعاء تاسع ذي الحجة وهو يوم عرفة أخرج الخليفة من الموضع الذي كان به وحمل إلى الأنبار ، ومنها إلى حديثة عانة على الفرات ، فحبس هناك وكان صاحب الحديثة والمتولي خدمة الخليفة بنفسه هناك مهارش البدوي ، وحكي عنه حسن الطريقة ، وجميل المعتقد . فلما كان يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي الحجة شهر الوزير على جمل وطيف به في محال الجانب الغربي ، ثم صلب حيًّا بباب خراسان إزاء الترب ، وجعل في فكيه كلوبان من الحديد ، وعلق على جذع فمات بعد صلاة العصر من هذا اليوم ، وأطلق قاضي القضاة أبو عبد اللَّه الدامغاني بمال قرر عليه . وخرجت من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين ، فلم يزل الخليفة في محبسه بحديثة عانة إلى أن ظفر طغرلبك بأخيه إِبْرَاهِيم إينال وقتله ثم كاتب قريشا في إطلاق الخليفة ، وإعادته إلى داره . وذكر لنا أن البساسيري عزم على ذلك لما بلغه أن طغرلبك متوجه إلى العراق ، وأطلع البساسيري أبا منصور عبد الملك بن مُحَمَّد بن يوسف على ذلك ، وجعله السفير بينه ، وبين الخليفة فيه ، وشرط أن يضمن الخليفة للبساسيري صرف طغرلبك عن وجهه ، وأحسب أن طغرلبك كاتب مهارشًا في أمر الخليفة ، فأخرجه من محبسه ، وعبر به الفرات ، وسار به إلى البرية قصد تكريت في نفر من بني عمه ، وأغذ السير